عمر بن الخطاب رضي الله عنه: القوة والعدل
عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثاني الخلفاء بعد أبي بكر، عُرف بقوته وصدقه، وعُرف قبل كل شيء بعدله. ويُلقّب بـ«الفاروق»، ويُفسَّر عادةً بأنه الذي فرّق بين الحق والباطل.
من خصم إلى مؤمن
كان عمر في مكة في أول الأمر شديد العداوة للإسلام، حتى إن الصحابي سعيد بن زيد رضي الله عنه ذكر بعد ذلك أن عمر كان يوثقه ليردّه عن الإسلام قبل أن يُسلم عمر (صحيح البخاري 3862). ودعا النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقال:
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
جامع الترمذي 3681، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وصححه الألباني
فاستجاب الله الدعاء بعمر. وقد تسمع قصصًا طويلة مفصّلة عن كيفية إسلامه، أما هذا الدرس فيقتصر على ما ثبت. فلما انتشر خبر إسلامه اجتمع الناس عند داره وتعرّض لخطر حقيقي (صحيح البخاري 3864 و3865)، فلم يتراجع. وقال الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ» (صحيح البخاري 3684).
فإن كنت عاديت الإسلام يومًا، أو شعرت أن ماضيك ثقيل، فقصة عمر رحمة لك: الرجل الذي حارب الإسلام صار من أعظم خدّامه.
الحق على لسانه
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ جَعَل الحقَّ على لِسان عمر وقَلْبه» (جامع الترمذي 3682، وهو صحيح). وقال لعمر:
والذي نفسي بيدِه، ما لَقِيَكَ الشيطانُ قَطُّ سالكًا فَجًّا إلَّا سَلَكَ فَجًّا غيرَ فَجِّكَ
صحيح البخاري 3683، وصحيح مسلم 2396
ومع قوته كان سريع القبول للحق. فقد أساء إليه رجل يومًا حتى همّ عمر أن يعاقبه، فتلا عليه أحد الحاضرين الآية التي يأمر الله فيها نبيه بالعفو والإعراض عن الجاهلين، فتوقّف عمر عندها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «وكان وَقَّافًا عند كِتَاب الله تعالى» (صحيح البخاري 4642).
عدله في الخلافة
تولّى عمر أمر المسلمين نحو عشر سنين، واتسعت البلاد في عهده، لكن أكثر ما يُذكر به حرصه على حقوق الناس. ومن الأمثلة الثابتة على ذلك:
لما شكا أهل الكوفة واليهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهو من كبار الصحابة، عزله عمر وأرسل من يسأل عنه في كل مسجد من مساجد الكوفة، فأثنى عليه أكثر الناس، ثم بيّن عمر أنه لم يعزله عن عجز ولا خيانة (صحيح البخاري 755 و3700).
فرض للمهاجرين الأولين عطاءً سنويًّا، وأعطى ابنه عبد الله رضي الله عنه أقل منهم، لأنه هاجر صغيرًا مع أبويه ولم يهاجر بنفسه (صحيح البخاري 3912).
قبل موته بأيام كان يتحقق من أن خراج أرض العراق لا يزيد على طاقة أهلها، وقال: لئن سلّمه الله ليدعنّ أرامل العراق لا يحتجن إلى أحد بعده (صحيح البخاري 3700).
وفي وصيته الأخيرة أوصى الخليفة بعده بأهل الذمة من غير المسلمين: أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يُقاتَل من ورائهم، وألا يُكلَّفوا فوق طاقتهم (صحيح البخاري 3700).
خاتمته
كان عمر يدعو: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ» (صحيح البخاري 1890)، فاستجاب الله له: طُعن وهو يؤمّ الناس في صلاة الفجر بالمدينة، ومات من جراحه. وحتى في تلك الساعة كان يفكر في غيره، فسأل عمّا عليه من دَين وأوصى بقضائه. ودُفن بجوار النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر (صحيح البخاري 3700).
ماذا فعل عمر حين شكا أهل الكوفة واليهم؟
كانت قوة عمر في خدمة الحق: حازمًا مع الظلم، سريع القبول للنصيحة، حريصًا على حقوق كل من تحت رعايته، مسلمًا كان أو غير مسلم.
وفي الدرس القادم تتعرف على بلال بن رباح، أول مؤذن في الإسلام، وما تعنيه قصته لك.
المصادر
واصل التعلّم
التالي: بلال بن رباح رضي الله عنه: الكرامة والانتماء
هل تريد متابعة ما تنجزه؟ أنشئ حسابًا مجانيًا، فالأمر لا يستغرق سوى دقيقة.