أبو بكر الصديق رضي الله عنه: الصاحب الصادق
أبو بكر رضي الله عنه أقرب أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليه، وأول من تولّى أمر المسلمين بعده. ويُعرف بـالصدّيق: أي كثير الصدق، المصدِّق بالحق. وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فحين صعد جبل أُحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فرجف بهم الجبل، قال:
اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ
صحيح البخاري 3675
من أوائل المؤمنين
كان أبو بكر من أوائل من أسلموا، وأولَ من أسلم من الرجال الأحرار البالغين. وقد تذكّر الصحابي عمار بن ياسر رضي الله عنه تلك الأيام الأولى فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم «وَمَا مَعَهُ إِلاَّ خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بَكْرٍ» (صحيح البخاري 3660). وبعد سنين وصف النبي صلى الله عليه وسلم نفسُه موقف أبي بكر فقال:
إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ. وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ
صحيح البخاري 3661
وهذا معنى «الصديق»: حين كذّب الناسُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر: «صدق»، ثم وقف وراء كلمته بنفسه وماله.
صاحب الغار
لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة كان أبو بكر رفيقه، فاختبأا في غار ثلاث ليال وقريش تبحث عنهما. وقد ذكر القرآن هذا الموقف، وبيّن أهل التفسير أن «صاحبه» هنا هو أبو بكر:
إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا
سورة التوبة: 40
ووصف أبو بكر بعد ذلك كيف كان الخطر قريبًا:
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا
صحيح البخاري 3653، وصحيح مسلم 2381
فإذا شعرت بالوحدة أو الخوف، فتذكّر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا».
كريمٌ بكل ما يملك
أنفق أبو بكر ماله في سبيل الإسلام بسخاء، فأعتق بلالًا رضي الله عنه، وكان عمر يقول: «أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا» (صحيح البخاري 3754). وحكى عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم يومًا أن يتصدقوا، فجاء عمر بنصف ماله وهو يظن أنه سيسبق أبا بكر هذه المرة، ثم جاء أبو بكر بكل ما عنده، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ فقال: «أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ». فقال عمر إنه لن يسبقه إلى شيء أبدًا (سنن أبي داود 1678، وجامع الترمذي 3675، وحسّنه العلماء).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَىَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً غَيْرَ رَبِّي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ» (صحيح البخاري 3654). والخليل هو أقرب الأصدقاء على الإطلاق.
أول الخلفاء
وفي مرضه الأخير قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس» (صحيح البخاري 3384، وصحيح مسلم 418). ولما توفي صلى الله عليه وسلم أصاب الناسَ الذهول، ولم يصدّق بعضهم الخبر، فقام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال:
مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَىٌّ لاَ يَمُوتُ
صحيح البخاري 3668
ثم تلا: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ» (آل عمران: 144). فثبّتت كلماته الناس جميعًا: عبادتنا لله الحي الذي لا يموت. ثم اختار المسلمون أبا بكر أول خليفة، أي أول من تولّى قيادة الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فبقي في الخلافة نحو سنتين، ولما مات دُفن بجوار النبي صلى الله عليه وسلم (صحيح البخاري 3700).
خاف أبو بكر في الغار أن يراهما المشركون، فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟
آمن أبو بكر بلا تردد، وبذل كل ما يملك لله، وذكّر المؤمنين بأن الله حيّ لا يموت.
وفي الدرس القادم تتعرف على عمر بن الخطاب، المعروف بقوته وعدله.
المصادر
Sahih al-Bukhari 3675 (a prophet, a siddiq, and two martyrs) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 9:40 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Sahih al-Bukhari 3653 and Sahih Muslim 2381 (agreed upon) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Sunan Abi Dawud 1678 (hasan, al-Albani) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Jami' at-Tirmidhi 3675 (hasan sahih, al-Tirmidhi; hasan, al-Albani) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 3:144 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
واصل التعلّم
التالي: عمر بن الخطاب رضي الله عنه: القوة والعدل
هل تريد متابعة ما تنجزه؟ أنشئ حسابًا مجانيًا، فالأمر لا يستغرق سوى دقيقة.