المدينة وفتح مكة والوداع
عاش النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة عشر سنين، نما فيها المجتمع الصغير حتى صار أمة، واستمر نزول القرآن، وانتشر الإسلام في جزيرة العرب. يمرّ هذا الدرس على تلك السنين باختصار، ويختم بأيامه الأخيرة.
الحياة في المدينة
في المدينة تشكّل كثير من شعائر الإسلام اليومية: فُرض صيام رمضان، والزكاة، ونزلت أحكام كثيرة في شؤون الأسرة. وواجه المسلمون أخطارًا حقيقية، فقاتلتهم قريش وحلفاؤها في معارك منها بدر وأحد والخندق. وكانت هناك أيضًا فترات سلم، كالسنين التي أعقبت صلح الحديبية. وفي كل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّم، ويؤمّ الناس في الصلاة، ويقضي بينهم، ويعود المرضى، ويعيش بينهم ببساطة.
فتح مكة
في السنة الثامنة من الهجرة عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة بجيش كبير من المؤمنين، فدخلها دون مقاومة تُذكر. وصار الذين سخروا منه وآذوا أصحابه وقاتلوه سنين في قبضته، فلم ينتقم، بل أعلن الأمان، فقال: «مَنْ دخَل دار أبي سفيان فهو آمن»، فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلقوا أبوابهم (صحيح مسلم 1780).
ثم أتى الكعبة فطاف بها، فلما أتى على صنم إلى جنب البيت جعل يطعنه بقوس كانت في يده وهو يتلو:
وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقًۭا
سورة الإسراء، الآية 81
أي جاء الإسلام وذهب الشرك، فالباطل لا بقاء له، والحق هو الثابت الباقي. وعاد البيت الذي بناه إبراهيم عليه السلام لعبادة الله وحده إلى ما بُني له.
حجة الوداع
وفي السنة العاشرة من الهجرة أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حاجّ، فقدم خلق كثير ليحجّوا معه ويتعلّموا منه، وكانت حجته الوحيدة بعد الهجرة، وعُرفت بحجة الوداع. وفي يوم عرفة خطب الناس، وحفظ جابر بن عبد الله رضي الله عنه أجزاء من تلك الخطبة (صحيح مسلم 1218)، ومنها:
«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»
«فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ»
«وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ»
ثم سأل الناس: «وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ»، فقالوا: «نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ»، فرفع إصبعه السبابة إلى السماء ثم نكتها إلى الناس وقال ثلاث مرات: «اللَّهُمَّ اشْهَدِ».
وفي هذه الحجة، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة يوم جمعة، أنزل الله تعالى (صحيح البخاري 45):
ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا
سورة المائدة، من الآية 3
وفاته صلى الله عليه وسلم
وبعد رجوعه إلى المدينة بأشهر قليلة، سنة 632 للميلاد، مرض النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفي في بيت زوجه عائشة رضي الله عنها ورأسه عليها، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقالت عائشة إن آخر كلمة تكلّم بها:
اللهمَّ الرَّفِيقَ الأعلى
صحيح البخاري 4463، وصحيح مسلم 2444 (متفق عليه)
وصُدم الصحابة، ولم يصدّق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات، حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه فكشف عن وجهه وقبّله، ثم خرج إلى الناس فقال:
مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَىٌّ لاَ يَمُوتُ
صحيح البخاري 3668
ثم تلا قوله تعالى:
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ
سورة آل عمران، الآية 144
أي ما محمد إلا رسول كالرسل الذين سبقوه، يبلّغ رسالة ربه، أفإن مات أو قُتل رجعتم عن دينكم؟ ومن رجع فلن يضرّ الله شيئًا، وسيجزي الله الشاكرين. فثبّتت هذه الكلمات الصحابة، وهي تثبّتك أنت أيضًا: نحبّ النبي صلى الله عليه وسلم حبًّا عظيمًا، ونعبد الله وحده الحيّ الذي لا يموت.
بماذا ذكّر أبو بكر الناس حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم؟
في ذروة قوته اختار النبي صلى الله عليه وسلم العفو، وفي خطبة الوداع ترك لنا كتاب الله لنعتصم به.
في آخر درس من هذه الخطوة ستتأمّل الأخلاق التي جعلته محبوبًا، وكيف تقتدي به اليوم.
المصادر
Sahih al-Bukhari 3902 and Sahih Muslim 2351 (agreed upon) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 17:81 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Sahih Muslim 1218 (hadith of Jabir on the Farewell Hajj) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 5:3 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Sahih al-Bukhari 4463 and Sahih Muslim 2444 (agreed upon) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 3:144 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
واصل التعلّم
التالي: أخلاقه صلى الله عليه وسلم: رحمة للعالمين
هل تريد متابعة ما تنجزه؟ أنشئ حسابًا مجانيًا، فالأمر لا يستغرق سوى دقيقة.