الهجرة إلى المدينة
الهجرة في التاريخ الإسلامي هي انتقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة سنة 622 للميلاد، بعد ثلاث عشرة سنة من نزول الوحي. وكانت حدثًا فاصلًا حتى إن الصحابة أرّخوا بها، فجعلوا بداية التقويم الإسلامي من مقدمه المدينة (صحيح البخاري 3934).
موطن جديد يُهيَّأ
اشتدّ الأذى في مكة، وفي الوقت نفسه لقي النبيَّ صلى الله عليه وسلم في موسم الحج أناسٌ من يثرب، التي سُمّيت بعد ذلك المدينة، فأسلموا وعاهدوه على نصرته. فبدأ المسلمون في مكة يهاجرون إليها سرًّا، تاركين بيوتهم وأموالهم.
ثاني اثنين في الغار
ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وجهّز لهما أهل أبي بكر الزاد، فقطعت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قطعة من نطاقها فربطت بها فم الجراب، ثم اختبآ في غار في جبل ثور قرب مكة ثلاث ليال (صحيح البخاري 3905).
وخرجت قريش تطلبهما حتى وقفوا عند الغار، قال أبو بكر: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا
صحيح البخاري 3653، وصحيح مسلم 2381 (متفق عليه)
وقد ذكر الله هذا الموقف في القرآن فقال:
إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا
سورة التوبة، من الآية 40
بالعربية: لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا
طريقة النطق: Laa tahzan, innal-laaha ma'anaa
المعنى: لا تحزن، إن الله معنا بنصره وتأييده.
أي حين كانا في غار ثور، قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه لما رأى خوفه عليه: لا تحزن إن الله معنا بنصره وتأييده، فأنزل الله الطمأنينة في قلبه، وأعانه بجنود لم يرها أحد من البشر وهم الملائكة. ومهما واجهت وأنت مسلم جديد، فهذه الكلمات لك أيضًا.
الوصول إلى المدينة
نزل النبي صلى الله عليه وسلم أولًا في بني عمرو بن عوف في قباء على أطراف المدينة بضع عشرة ليلة، وأسّس فيها مسجد قباء، ثم ركب راحلته إلى المدينة والناس يمشون معه (صحيح البخاري 3906). وقد وصف أنس بن مالك رضي الله عنه ذلك اليوم، وكان غلامًا صغيرًا، فقال:
لمَّا كان اليوم الذي دَخَل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ أضاءَ منها كلُّ شيء
سنن الترمذي 3618 (صحّحه الألباني)
بناء المسجد
من أول ما فعله في المدينة أن بنى المسجد، وهو اليوم المسجد النبوي. ولم يكتفِ بالأمر، بل كان ينقل اللّبِن بنفسه مع أصحابه (صحيح البخاري 3906)، وجعلوا جذوع النخل في جدار القبلة (صحيح البخاري 428). وصار هذا البناء البسيط قلب المجتمع: مكانًا للصلاة والتعلّم والاجتماع.
إخوة في الإيمان
ترك المهاجرون القادمون من مكة كل شيء تقريبًا، فاستقبلهم مسلمو المدينة، وهم الأنصار، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار. فآخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع رضي الله عنهما، فعرض سعد أن يقاسمه نصف ماله، فقال عبد الرحمن إنه لا حاجة له في ذلك، وسأل عن السوق، فبدأ يتاجر (صحيح البخاري 2048). وقد أثنى الله على الأنصار فقال:
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةًۭ مِّمَّآ أُوتُوا۟ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌۭ
سورة الحشر، من الآية 9
أي يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم، ولا يجدون في أنفسهم حسدًا لهم، ويقدّمونهم على أنفسهم ولو كان بهم فقر. وكثير من المسلمين الجدد يجدون اليوم صورة من هذه الأخوّة: صديقًا في المسجد، أو مرشدًا، أو أسرة تستقبلهم. وأنت جزء من هذا المجتمع نفسه.
ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في الغار حين اقترب المشركون؟
حوّلت الهجرة جماعة مستضعفة إلى مجتمع قائم على التوكل على الله، في قلبه مسجد، وبين أفراده أخوّة الإيمان.
في الدرس القادم: الحياة في المدينة، وفتح مكة، وحجة الوداع، ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
المصادر
Sahih al-Bukhari 3653 and Sahih Muslim 2381 (agreed upon) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 9:40 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Sunan al-Tirmidhi 3618 (sahih, al-Albani) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 59:9 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
واصل التعلّم
التالي: المدينة وفتح مكة والوداع
هل تريد متابعة ما تنجزه؟ أنشئ حسابًا مجانيًا، فالأمر لا يستغرق سوى دقيقة.