كيف حُفظ الحديث وكيف تُعرف صحته
يستطيع أي أحد أن يكتب على مواقع التواصل: «قال النبي صلى الله عليه وسلم...». فكيف يعرف المسلمون ما يصح عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟ لقد تحقّق علماء المسلمين قرونًا من كل خبر بعناية شديدة. ويشرح هذا الدرس بتبسيط كيف فعلوا ذلك، وكيف تنقل أنت هذه العناية إلى ما تقرؤه وتنشره.
لماذا كل هذه العناية؟
كان الصحابة ومن بعدهم من العلماء حريصين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حذّر تحذيرًا شديدًا فقال:
مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ
صحيح البخاري 110، ومقدمة صحيح مسلم
وقال الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه إن هذا الحديث مما منعه أن يحدّث بأحاديث كثيرة (صحيح البخاري 108). وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» (مقدمة صحيح مسلم). فالتثبّت ليس قلة محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، بل هو من علامات محبته.
السند والمتن
لكل حديث جزءان: السند (الإسناد)، وهو سلسلة الرواة الذين نقلوه واحدًا عن واحد حتى النبي صلى الله عليه وسلم، والمتن، وهو نص ما قيل أو فُعل. وهذا سند أول حديث في صحيح البخاري، حديث «إنما الأعمال بالنيات»:
رواه الإمام البخاري عن الحميدي،
عن سفيان،
عن يحيى بن سعيد الأنصاري،
عن محمد بن إبراهيم التيمي،
عن علقمة بن وقاص الليثي،
الذي سمع عمر بن الخطاب يقوله على المنبر،
وسمعه عمر من النبي صلى الله عليه وسلم.
ودرس العلماء رجال كل سند: هل كانوا عدولًا صادقين؟ هل كان حفظهم متقنًا؟ هل سمع كل واحد ممن قبله حقًّا؟ هل سقط أحد من السند؟ هل يخالف المتنُ ما هو أوثق منه؟ وألّفوا كتبًا كاملة في الرواة وسيرهم ودرجة الثقة بهم.
درجات الحديث
وبناءً على هذه الدراسة يحكم العلماء على كل حديث، وأهم الدرجات:
الصحيح: ما اتصل سنده برواة عدول تامّي الضبط، وسلم من العلة الخفية ومن مخالفة ما هو أوثق.
الحسن: كالصحيح، لكن في رواته من هو أخفّ ضبطًا قليلًا، وهو كذلك مقبول يُحتج به.
الضعيف: ما فيه سقط أو خلل في السند أو المتن، والعلماء في الجملة لا يعتمدون عليه في إثبات العقائد والأحكام.
الموضوع: المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تجوز روايته على أنه من كلامه إلا للتحذير منه.
أشهر كتب الحديث
جمع العلماء الأحاديث في كتب، وأشهرها ستة:
صحيح البخاري للإمام البخاري، وصحيح مسلم للإمام مسلم، ويصفهما العلماء بأنهما أصح الكتب المصنفة. وإذا ورد الحديث فيهما معًا قيل: «متفق عليه».
السنن الأربعة: سنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه. وفيها أحاديث صحيحة كثيرة مع بعض الأحاديث الضعيفة، وقد حكم العلماء على أحاديثها واحدًا واحدًا.
وقد رأيت هذه الأسماء في مصادر الدروس السابقة، والآن تعرف معناها.
تثبّت قبل أن تنشر
وعلّمنا القرآن هذا التثبّت في كل خبر، فقال تعالى:
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍۢ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَٰلَةٍۢ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَٰدِمِينَ
سورة الحجرات: 6
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (سنن أبي داود 4992، وصححه الألباني). وكثير من المنشورات على الإنترنت تنسب كلامًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلا مصدر، أو تنقل أحاديث ضعيفة بل موضوعة. ولست بحاجة إلى أن تكون عالمًا لتكون حريصًا، فتكفيك عادات قليلة:
قبل أن تنشر حديثًا
ضع علامة على كل خطوة عندما تؤديها.
رأيت منشورًا يبدأ بـ«قال النبي صلى الله عليه وسلم...» بلا أي مصدر، فما الأفضل أن تفعل؟
قبل أن تقول «قال النبي صلى الله عليه وسلم» تحقّق من المصدر والدرجة، فالحرص على كلامه من محبته.
وفي الدرس القادم: خمسة أحاديث صحيحة قصيرة تعيش بها، مع نصها العربي ومعناها وطريقة العمل بها.
المصادر
Sahih al-Bukhari 110 and the introduction of Sahih Muslim (agreed upon) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Sahih Muslim, introduction (one of the liars) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Sahih al-Bukhari 1 (the chain of the first hadith) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 49:6 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Sunan Abi Dawud 4992 (sahih, al-Albani) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
واصل التعلّم
التالي: خمسة أحاديث تعيش بها
هل تريد متابعة ما تنجزه؟ أنشئ حسابًا مجانيًا، فالأمر لا يستغرق سوى دقيقة.