إبراهيم عليه السلام: خليل الله
إبراهيم عليه السلام نبيٌّ يعظّمه اليهود والنصارى والمسلمون، وله في الإسلام مكانة خاصة: فابناه إسماعيل وإسحاق كانا نبيَّين، وكذلك كثير من ذريته، ومنهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ووصفه القرآن بأنه «كَانَ حَنِيفًۭا مُّسْلِمًۭا» (آل عمران: 67)، أي مائلًا عن كل باطل، مستسلمًا لربه، متّبعًا لأمره.
البحث عن الحق
نشأ إبراهيم بين قوم يعبدون الأصنام، وكان أبوه منهم. قال الله تعالى:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ
سورة الأنعام: 74
ثم يصف القرآن ليلةً تحت السماء: رأى إبراهيم كوكبًا فقال: «هَٰذَا رَبِّى»، فلما غاب قال: «لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ». ثم فعل مثل ذلك مع القمر، ثم مع الشمس وهي أكبرها. وقد بيّن أهل التفسير أنه كان يحاجّ قومه الذين يعبدون الكواكب، ليُثبت لهم خطوةً بعد خطوة أن ما يطلع ويغيب لا يكون إلهًا. ثم أعلن في النهاية:
فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
سورة الأنعام: 78 و79
ويجد كثير من المسلمين الجدد في هذه القصة شيئًا من رحلتهم: نظرٌ صادق في هذا الكون، وأسئلة صعبة، ثم إقبال على الخالق الذي فطر كل شيء. وهذا معنى «الحنيف»: المائل عن الشرك إلى التوحيد.
النار التي لم تحرق
سأل إبراهيم قومه: «مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِىٓ أَنتُمْ لَهَا عَٰكِفُونَ» (الأنبياء: 52)، فلما لم يستجيبوا كسّر أصنامهم وترك كبيرها، لعلهم يرجعون إليه فيتبين لهم عجزها (الأنبياء: 58). فغضبوا وقرروا أن يحرقوه (الأنبياء: 68)، لكن الله حفظه:
قُلْنَا يَٰنَارُ كُونِى بَرْدًۭا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ
سورة الأنبياء: 69
وقد روى الصحابي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الكلمة التي قالها إبراهيم حين أُلقي في النار (صحيح البخاري 4563)، وهي الكلمة نفسها التي قالها النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد قرون حين قيل لهم إن الناس قد جمعوا لهم (آل عمران: 173):
بالعربية: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
طريقة النطق: Hasbunallahu wa ni'mal-wakil
المعنى: الله كافينا، وهو نِعم من نفوّض إليه أمورنا ونتوكل عليه.
قلها كلما شعرت بالخوف أو ضاقت بك الأمور. وليس معناها أن تترك العمل، بل أن تؤدي ما عليك ثم تُسلم قلبك لله.
بناء الكعبة
أمر الله إبراهيم أن يأخذ هاجر أم إسماعيل وابنهما الرضيع إلى وادي مكة، حيث لا أحد ولا ماء. ولما انصرف سألته: «آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا» فقال: «نَعَمْ»، فقالت: «إِذًا لاَ يُضَيِّعُنَا» (صحيح البخاري 3364). ولما نفد الماء سعت بين الصفا والمروة تبحث عن أحد، سبع مرات، فأرسل الله مَلَكًا فتفجّر ماء زمزم. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن سعيها هذا أصل سعي الحجاج بين الصفا والمروة إلى اليوم.
وبعد سنين عاد إبراهيم وأخبر إسماعيل أن الله أمره أن يبني هناك بيتًا، فقال إسماعيل: «فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ». فكان إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني (صحيح البخاري 3364). وسجّل القرآن ما كانا يقولانه وهما يعملان:
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِۦمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
سورة البقرة: 127
كانا يبنيان بيت الله، ومع ذلك لم يَأمنا أن يُردّ عملهما، بل سألا الله القبول. ويمكنك أن تدعو بدعائهما بعد كل عمل صالح، صغيرًا كان أو كبيرًا:
بالعربية: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
طريقة النطق: Rabbana taqabbal minna, innaka antas-Sami'ul-'Alim
المعنى: يا ربنا تقبّل منا عملنا، إنك أنت السميع لأقوال عبادك، العليم بأحوالهم.
خليل الله
وأكرم الله إبراهيم بمنزلة عظيمة، فقال تعالى:
وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًۭا
سورة النساء: 125
والخليل هو الصفيّ الذي بلغ أعلى مقامات المحبة. وقد عاش إبراهيم هذا القرب بعمرٍ من الثقة بالله: في النار، وفي الوادي المقفر، وفي كل أمرٍ أمره به ربه.
ماذا سأل إبراهيم وإسماعيل ربهما وهما يبنيان الكعبة؟
ترك إبراهيم كل ما لا يستحق العبادة، ووثق بالله ثقة كاملة. فإذا خفت فقل: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، وإذا أتممت عملًا صالحًا فقل: «ربنا تقبل منا».
وفي الدرس القادم تتعرف على موسى عليه السلام، وتتعلم دعاءً قصيرًا للحظات التي تشعر فيها أن المهمة أكبر منك.
المصادر
Quran 14:39 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 3:67 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 6:74-79 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 21:52-58 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 21:68-69 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Sahih al-Bukhari 4563 (Ibrahim's words in the fire) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 3:173 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Sahih al-Bukhari 3364 (Hajar, Zamzam, and building the Kaaba) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 2:127 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
Quran 4:125 (Saheeh International translation) (يُفتح في علامة تبويب جديدة)
واصل التعلّم
التالي: موسى عليه السلام: الصبر والثقة بالله
هل تريد متابعة ما تنجزه؟ أنشئ حسابًا مجانيًا، فالأمر لا يستغرق سوى دقيقة.